الشيخ محمد مهدي الآصفي

47

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

في التأريخ . إن المسلم الذي يحضر ضمن هذا الحشد الهائل من حجاج بيت الله الحرام . . . يلمس في الحج حجمه وعمقه ونفسه ، فيلمس حجمه الحقيقي في الحشد الهائل الذي يقصد الحج من مختلف مناطق الأرض ، ويلمس في الحج عمقه الحقيقي ، عندما تذكره الكعبة وأجواؤها بجذوره التأريخيه الضاربة في أعماق التاريخ ، ويشعره الحج بأنه فرع من الشجرة الطيبة التي تضرب أصولها في أعماق الأرض ، وفروعها في السماء ، وأعظم من هذا كله أنّه يجد نفسه عند الكعبة عندما يتعرف على أصوله وأسرته وبيته . وهذا هو البعد الأول من هذه المعرفة وهو بعد « الولاء » . والبعد الثاني هو بعد « البراءة » ، فإن البيت الحرام كما يصل الإنسان بالله تعالى ، وبأصوله وجذوره الممتدة في التأريخ ، وبأسرة التوحيد الكبيرة على وجه الأرض ، كذلك يقطعه عن المشركين ويفصل بينه وبين أسرة الكفر والشرك على وجه الأرض وفي التأريخ . ففي رحاب الكعبة إذن يثوب الناس إلى أصولهم ، وأسرتهم ، وبيتهم ، ويتميزون ، وينفصلون عن المشركين والكفار . يقول تعالى : ( وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) . « 1 » 3 - والكعبة تؤمّن معيشة الناس ، وتقوّم معايشهم في دنياهم ، كما تُقوّم آخرتهم . وهذه الحقيقة يذكرها الله تعالى لعبده وخليله إبراهيم ( ع ) عندما أمره أن يؤذِّن في الناس بالحج .

--> ( 1 ) التوبة : 3